ابو البركات

245

الكتاب المعتبر في الحكمة

بأنه حساس متحرك بالإرادة والحيوان اسم مشق من الحياة ومنسوب إليها والحياة هي الاحساس في عرف القدماء فان النائم عندهم حي وليس يتحرك بالإرادة وهو حساس بالقوة والفعل يعرف الناس ذلك من حالهم في نومهم وما يحسونه ويتخيلونه في المنام فالحي هو الحساس - وقول الحيوان على الحساس المتحرك بالإرادة وضع من أوضاع الحكماء وايرادهما معا فصلين لا للتمييز بل للبيان واتمام المعنى وليس أحدهما أعم من الآخر حتى يميزه الآخر بل كلاهما سواء فان كل حساس متحرك بالإرادة وكل متحرك بالإرادة حساس والحس لأجل الحركة والإرادة لطلب النافع والهرب من المؤذى فما لا يحس به لا يتحرك اليه ولا عنه بالإرادة فقد عرفت ان النبات لضيق وسعه عن طلب البعيد واقتصاره على القريب الملاصق من الغذاء لم يكن حساسا لعجزه عن طلب النافع البعيد فاقتصرت به الطبيعة على لزوم المكان الذي يصادف فيه الغذاء المقيم عنده المتحرك اليه كما عرفت ان غذاء النبات يتحرك إلى النبات والحيوان يتحرك إلى غذائه فلو كان حساسا حتى شعر بالمؤذى ولم يتحرك لقد كان له من الحس خالص الأذى . والحيوان لما وسع الاحساس يسرت له الحركة الإرادية لما خلق له من الآلات فتحرك إلى النافع وهرب من المؤذى ولما كان الحيوان يتحرك إلى غذائه وينتقل اليه حيث كان جعل له طريق واحد يدخل فيه الغذاء وهو الفم ولا يفوته ما يطلبه بحركته اليه والنبات لما كان لا يتحرك إلى الغذاء جعلت موارد اغذيته وهي العروق كثيرة ليمتار ببعضها ما يفوته بالبعض ( ولتكون للشجرة كالأوتاد الكثيرة الناشئة العسرة الانقلاع - « 1 » ) إذ ينشعب إلى جهاته المختلفة فيمتار منها فإذا ورد الغذاء إلى بطون أكثر الحيوانات كانت المعدة له كمجمع الماء وينبوعه من البرك والعيون ويخرج منها إلى معائه كخروجها من البرك والآبار وتتلفف الأمعاء ليطول دوران الغذاء فيها مع اقامته في البطن لينهضم في سلوكه الدائر وتلافيفه كما ينهضم في اقامته وتتوزع اليه

--> ( 1 ) من سع -